السيد كمال الحيدري
164
المرجع الديني السيد كمال الحيدري (نبذة عن حياته، منهجه، مشروعه الإصلاحي)
يدلّ على الامتزاج الروحي مع الأمّة ، والتلاقح الحسّي معها ، حتّى ترى الأمّة مرجعها وهو يجسّد همّها ، ويحلّ معضلاتها ، ويناقش سبل النهوض بها ، ويدافع عن مقدّساتها . فلم تشهد الساحة المرجعية إنجازاً كهذا إلّا ما ندر ، وإن وجد فإنّه يقتصر على السؤال والجواب وفي المناسبات المحدّدة ولفترةٍ وجيزة ؛ الأمر الذي يجعل الأمّة في كثيرٍ من الأحيان لا تعي المستوى الفكري والنشاط السياسي والخلفية المعرفية لمرجعها ، وهذا الأمر يستحقّ الوقوف عنده كثيراً ولولا الإطناب لأشبعنا البحث ، ولكن يحال إلى محلّه . فالعلّامة الحيدري قد جسّد النقل المعرفي من جدران الحوزة العلمية إلى كلّ بيت ، فأضحت العائلة المسلمة تتعرّف على المصطلحات المعرفية ، وتدرك أسباب القوّة والمتانة في فكر مذهبها ، ومواطن الخلل والضعف عند خصومها ، وتتعلّم المناهج والأساليب في كيفية الحجاج الديني والنقاش العلمي . فلا يكاد يمرّ أسبوع إلّا وترى العلّامة الحيدري يطلّ على الأمّة بنقاشٍ علميّ وألمعيّة فكرية وأساليب جديدة للحوار ، فيبهر العقول ويفغر كلّ مستمع فاهُ لشدّة مضامين التجديد والرصانة الفكرية ، والخزين الكبير من الحجج والبراهين التي تجعل الخصم لا ينبس ببنت شفة . يتدرّج العلّامة في بحثه من المعنْوَن إلى العنوان ، ويسلّط الضوء إلى الأصول التي يأتي منها جذر الخلاف ، والعوامل التي ساعدت على ذلك . بعد ذلك يعمد إلى تفكيك المشكل إلى حزمٍ متناثرة ، ويفنّدها حزمةً حزمةً حتّى يحيل ذلك المشكل المتكّتل إلى مقاطع مبطلة حجاجياً ، وساقطة عن الاعتبار فكرياً . وهذا المنهج التفكيكي للمشكل لم يكن مألوفاً من ذي قبل ؛ إذ كانت المناقشات تدور حول المشكل ، لا في المشكل نفسه ؛ ممّا يطيل البحث بلا جدوى ، بل قد يخرجه من حيّز المعرفة والبرهان إلى خانة التسقيط والاتّهام . وهذا ممّا لا يرضاه العلّامة إطلاقاً . أراه يترفّع في منهجه من أن يحكم على